محمد بيومي مهران
128
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
وهكذا تشير هذه الآيات الكريمة بوضوح إلى دعوة أبي الأنبياء ، سيدنا إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم مرسومة الخطوط واضحة المعالم ، بشر فيها وأنذر ، غير أن القوم قد تملكهم الغرور ، وركبوا رؤوسهم ، وقد عزّ عليهم أن يرجعوا إلى الحق أو يثوبوا إلى الرشد ، وهم يحسبون أن آلهتهم تنجيهم من عذاب أليم ينتظرهم ، ولم تكن تلك الآلهة التي أصموا آذانهم عن كلمة الحق فيها ، غير نصب وأوثان من خشب وحجارة لا تنفع ولا تضر ، لكنهم كانوا يعظمونها ويقدسونها ، ويقدمون لها القرابين ، ويركعون أمامها ويسجدون ، ومن ثم فقد أعدوا عدتهم لمقاومة دعوة إبراهيم ، حفاظا على أوثانهم وأصنامهم . وهنا لعل من الأفضل هنا أن نناقش موقف إبراهيم عليه السلام منهم ومن أوثانهم ، وكذا موقفهم منه ، عليه السلام ، في شقين ، الأول مع أبيه ، والآخر مع قومه : ( أ ) بين إبراهيم وأبيه : - كان والد إبراهيم في طليعة عابدي الأصنام وصانعيها من الأخشاب ، والداعين لها ، وكان يعرضها على الناس ليشتريها منه من يرغب فيها ، وقد عزّ على إبراهيم أن يكون والده « 1 » زعيما من زعماء المشركين ، وإماما من أئمة الإفك المبين ، وهو أقرب قومه إليه ، وأولى الناس بتصديق دعوته ، والإيمان برسالته ، فرأى إبراهيم عليه السلام من واجبه أن يبصر والده بأمره ، ويحذره عاقبة كفره بما فيه الخير له ، برأيه ، وحرصا على أن يكون مسلكه سليما ، فيتبع الدين القويم والطريق المستقيم ، وقرر أن تكون مفاتحته والده في الأمر بالحسنى ، إذ ما كان له أن يرشده إلى الحق بغيرها ، وهو المؤمن بما للأبوة من جليل القدر ، ورفعة الشأن .
--> - الأنعام : آية 74 ، مريم : آية 41 - 48 ، الشعراء : آية 69 - 89 ، الصافات : آية 83 - 99 ) . ( 1 ) انظر الآراء التي دارت حول « آزر » وهل هو والد الخليل أم عمه ؟ ( محمد بيومي مهران : إسرائيل 1 / 53 - 61 .